الصفحات

السبت، 29 ديسمبر، 2012

الشيخ يوسف القرضاوي بمناسبة تقديم كتاب تكملة "فتح الملهم"مشيدا شبه القارة الهندية


تقديم كتاب تكملة "فتح الملهم" للشيخ محمد تقي العثماني
 بقلم :العلامة الشيخ يوسف القرضاوي 
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
(أما بعد)
فإن السنة النبوية المشرفة هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، وهي البيان النظري، والتطبيق العملي لكتاب الله، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل:44].
وقد هيأ الله عز وجل لهذه السنة المطهرة في كل عصر وفي كل مِصْر رجالاً، يخدمونها بأنواع شتى من الخدمة: جمعاً لها، وذبّاً عنها، وردا للمفتريات عليها، ودفعا للشبهات عنها، وتصنيفا لكتبها، وتعريفا برواتها، وتمحيصا لأسانيدها، وشرحا لمتونها، ونشرا لدعوتها، وتبليغا لرسالتها، وتعليما لحقائق عقائدها، وأسرار شرائعها، ومكارم أخلاقها، ومحاسن آدابها.
وقد كان لعلماء شبه القارة الهندية التي تشمل اليوم الهند وباكستان وبنجلاديش نصيب وافر من خدمة السنة: تحقيقا وتخريجا وتعليقا وشرحا ونشرا.
ولا زال العالم الإسلامي في مشرقه ومغربه ينتفع بالمصادر والكتب الحديثية التي نشرت أول ما نشرت على يد علماء الهند، في حيدر آباد وغيرها، وقد صورت بعد ذلك في بلاد شتى، طبق الأصل الهندي.
وكان لهؤلاء العلماء الأجلاء في مجال الشرح والتعليق لكتب السنة المعروفة والمتداولة سهم وافر، ونصيب مرموق، وخصوصا الكتب الستة والموطأ، ومشكاة المصابيح، وغيرها.
وقد نوه الداعية الإسلامي الكبير العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي – أمد الله في عمره في خدمة الإسلام- ببعض ما قام به علماء الهند الكبرى في خدمة السنة وشرحها في تقديمه لكتاب (بذل المجهود في حل أبو داوود) للعلامة المحدث الكبير الشيخ خليل أحمد السهار نغوري، ولكتاب (أوجز المسالك إلى موطأ مالك) للعلامة شيخ الحديث مولانا محمد زكريا الكندهلوي، فأغنانا - حفظه الله- بهذا التقديم الجامع النافع عن التنبيه على ذلك أو التذكير به.
ومن المعلوم المقرر لدى علماء الأمة أن صحيحي البخاري ومسلم هما أعظم كتب السنة، وأصح كتب الإسلام بعد القرآن. ولكل منهما مزاياه وخصائصه، كما يعرف ذلك أهل العلم الحديث.
ولكن صحيح البخاري حظي من عناية العلماء بالشرح والتحليل والاستنباط أكثر مما لقيه صحيح مسلم قديما وحديثا.
ومن قرأ كتابا مثل (كشف الظنون على أسامي الكتب والفنون) وجد شروح البخاري أضعاف شروح مسلم.
ولعلماء الهند في شرح البخاري: (عون الباري)، للملك العالم صديق حسن خان، و(فيض الباري) لمحدث عصره الفقيه العلامة الشيخ أنور الكشميري و(لامع الدراري) للفقيه المحدث الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي.
ولهم في شرح مسلم (السراج الوهاج) لصاحب (عون الباري) ثم هذا الشرح المسمى( فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم) للعلامة المحدث الفقيه مولانا شبير أحمد العثماني، الذي قدر الله أن يوافيه الأجل قبل أن يكمله، وإنما بلغ إلى آخر كتاب النكاح.
وقد ادخر القدر فضل إكماله وإتمامه إن شاء الله لعالم جليل من أسرة علم وفضل (ذرية بعضها من بعض) هو الفقيه ابن الفقيه، صديقنا العلامة الشيخ محمد تقي العثماني، ابن الفقيه العلامة المفتي مولانا محمد شفيع رحمه الله وأجزل مثوبته، وتقبله في الصالحين.
وقد أتاحت لي الأقدار أن أتعرف عن كثب على الأخ الفاضل الشيخ محمد تقي، فقد التقيتُ به في بعض جلسات الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية. ثم في جلسات مجمع الفقه الإسلامي العالمي، وهو يمثل فيه دولة باكستان، ثم عرفته أكثر فأكثر، حين سعدت به معي عضوا في الهيئة الشرعية لمصرف فيصل الإسلامي بالبحرين، والذي له فروع عدة في باكستان.
وقد لمست فيه عقلية الفقيه المطلع على المصادر، المتمكن من النظر والاستنباط القادر على الاختبار والترجيح، والواعي لما يدور حوله من أفكار ومشكلات – أنتجها هذا العصر- الحريص على أن تسود شريعة الإسلام وتحكم في ديار المسلمين.
ولا ريب أن هذه الخصائص تجلت في شرحه لصحيح مسلم، وبعبارة أخرى: في تكملته لفتح الملهم.
فقد وجدت في هذا الشرح: حسن المحدث، وملكة الفقيه، وعقلية المعلم، وأناة القاضي، ورؤية العالم المعاصر، جنبا إلى جنب.
ومما يذكر له هنا: أنه لم يلتزم بأن يسير على نفس طريقة شيخه العلامة شبير أحمد كما نصحه بذلك بعض أحبابه، وذلك لوجوه وجيهة ذكرها في مقدمته.
ولا ريب أن لكل شيخ طريقته وأسلوبه الخاص، الذي يتأثر بمكانه وزمانه وثقافته، وتيارات الحياة من حوله. ومن التكلف الذي لا يحمد محاولة العالِم أن يكون نسخة من غيره، وقد خلقه الله مستقلا.
لقد رأيت شروحا عدة لصحيح مسلم، قديمة وحديثة، ولكن هذا الشرح للعلامة محمد تقي هو أولاها بالتنويه، وأوفاها بالفوائد والفرائد،وأحقها بأن يكون هو (شرح العصر) للصحيح الثاني.
فهو موسوعة بحق، تتضمن بحوثا وتحقيقات حديثية، وفقهية ودعوية وتربوية.
وقد هيأت له معرفته بأكثر من لغة، ومنه الإنجليزية، وكذلك قراءاته لثقافة العصر، واطلاعه على كثير من تياراته الفكرية، أن يعقد مقارنات شتى بين أحكام الإسلام وتعاليمه من ناحية، وبين الديانات والفلسفات والنظريات المخالفة من ناحية أخرى، وأن يبين هنا أصالة الإسلام وتميزه، كما فعل في مقدمة كتاب الطلاق .
ومثل ذلك حديثه في مقدمة كتاب العتق عن (الرق في الإسلام) . وحديثه عن (الاقتصاد في الإسلام) في مقدمة كتاب البيوع، وبيان فضل هذا الاقتصاد، وحقيقة الثروة والملكية، ونقد الرأسمالية والاشتراكية..الخ .
ومن ذلك حديثه عن (مسألة ملكية الأرض) ، وهو يشرح حديث جابر: "من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه" . ورده على بعض المستغربين الذين يتعسفون في الاستدلال بمجملات القرآن، على منع ملكية الأرض .
ونحو ذلك حديثه في باب الحوالة عن الأوراق المالية الرائجة والكمبيالات والشيك المصرفي والعملة الورقية، وما إلى ذلك .
وأمثال ذلك كثر في كتب وأبواب شتى.
ومما يذكر لصاحب التكملة هنا بالثناء والتقدير:
حرصه على نقل المذاهب والأقوال بأمانة، وعرضها بأدلتها بإنصاف، وترجيحه ما يوجبه الدليل منها، وإن كان غير المذهب الحنفي الذي هو مذهبه ومذهب أسرته وأهل بلده، والذي نشأ عليه وتعمق في الإطلاع عليه أصولا وفرعا.
كما في تعليقه على ثبوت خيار الرد للمشتري في حديث (المصرّاه) وأن صدره لا ينشرح بأنه لم يكن شرعا عاما، وأنه لا مخالفة فيه للأصول الصحيحة، وما قاله الحنفية في تقسيم اللبن إلى ما كان وقت العقد، وما حدث بعده، لا يبدو كافيا في صرف الحديث عن ظاهره . ومن ذلك ترجيحه مذهب الصاحبين والجمهور من وجوب القصاص بالقتل بالمثقل في زماننا الذي كثر فيه القتل.
ونحو ذلك ترجيحه ثبوت أحاديث القضاء بشاهدين، وحملها على أحوال العذر التي لا يتيسر فيها الحصول على نصاب الشهادة الذي أرشدت إليه آية سورة البقرة { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}[البقرة:282] .
وتأييده لفتوى المتأخرين من علماء الحنفية بالأخذ بقول الشافعية في مسألة الظفر المعروفة. ونقل عن شارح الكنز (الحموي) وعن صاحب (الدر المختار) وعن ابن عابدين، ما يدل على ذلك ، إلى غير ذلك من الأمثلة.
ولا أنكر أن هذه الأمثلة ليست كثيرة في الكتاب، ولكنها موجودة، وهي بالنسبة لمن يعرف المدرسة الهندية ومدى تمسكها بالمذهب الحنفي، والمبالغة في تأييده والانتصار له، لها قيمتها ودلالتها على إنصاف صاحبها وتحرره من غلو العصبية المذهبية إلى حد كبير.
ومما أعجبني هنا نقله عن والده العلامة محمد شفيع، رحمه الله، تلك الكلمة المخلصة المضيئة بنور الحق، حيث قال لجماعة من الطلاب: لا بأس أن تكونوا حنفية في مذهبكم الفقهي، ولكن إياكم أن تتكلفوا جعل الحديث النبوي حنفيا!
فما أصدقها من نصيحة، وما أبلغها من كلمة!
إن الكتاب حافل بالعلم، ثري بالتحقيق، يلمس قارئه جهدا صادقا مضنيا، بذله صاحبه، غير ضنين به، ولا متثاقل عنه، كل ذلك بأسلوب بين وبعد عن الألغاز والتعقيد.
فجاء بحمد الله وتوفيقه جامعا بين الأصالة والمعاصرة، محققا لآمال كثير من طلاب العلم، وعشاق السنة، ومحبي الفقه.
قد أخالف المصنف حفظه الله في بعض ما ذهب إليه أو اختاره ورجحه من أحكام وآراء، وهذا أمر طبيعي نظرا لاختلاف البيئة التي نشأ فيها كلانا بمؤثراتها الفكرية والنفسية والاجتماعية، والإنسان – وإن بلغ من العلم ما بلغ- ابن زمانه ومكانه وثقافته، وهذه سنة الله في البشر. ولكن لا يملك المرء مع هذا الاختلاف – وهو قليل- إلا أنه يحترم علم المؤلف ورأيه، ويقدر اجتهاده وإخلاصه، ويثني على حرصه على طلب الحق والبحث عنه بكل ما يستطيع.
وقد اقترح عليه حين يطبع الكتاب كله من جديد أن يضيف من (كيسه) حواشي وتعليقات على شرح العلامة شبير، تقرب القسم من الكتاب بالقسم الأخير منه. كما أود ضبط متون الأحاديث من صحيح مسلم بالشكل، مساعدة للقارئ على قراءتها قراءة صحيحة.
شكر الله لصديقنا العلامة، وجزاه عن العلم والفقه والسنة خير ما يجزي به العلماء الصادقين، وجعلنا وإياه من الذين يعلمون فيعملون، ويعملون فيُخلصون، ويُخلصون فيقبلون.              وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدوحة: جمادى الأولى1412هـ                         الفقير إلى عفو ربه
الموافق:  نوفــمبر1991م                              يوسف القرضاوي

علماء ديوبند الشيخ محمد تقي العثماني - قاضي التمييز الشرعي بالمحكمة العليا بباكستان



أساس مذهب علماء ديوبند
بقلم : العلامة الشيخ محمد تقي العثماني - قاضي التمييز الشرعي بالمحكمة العليا بباكستان

الحمد الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فلم تكن هناك أية حاجة في الواقع إلى كتاب مستقل يتناول مذهب علماء ديوبند بشرح أو إبانة؛ لأنهم ليسوا فرقة أو جماعة شقّتْ طريقًا فكريا أو عملياً يختلف عن طريق جمهور الأمة المسلمة، بل إنهم يتبعون في تفسير الإسلام وعرضه نفس المسلك الذي سلكه جمهور علماء الأمة عبر أربعة عشر قرنًا. إن الدين وتعاليمه الأساسية إنما تنبع من الكتاب والسنة، وإنها – تعاليم الكتاب والسنة – في شكلها الشامل هي أساس مذهب علماء ديوبند.
خذ أي كتاب موثوق به في عقائد أهل السنة والجماعة، واقرأه ستجد أن مذهب علماء ديوبند هو كل ما جاء فيه من العقائد ، واقرأ أيّ كتاب موثوق به في الفقه وأصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، ستجد أن ما جاء فيه من المسائل الفقهية والأصولية هو المذهب الفقهي لدى علماء ديوبند؛ وراجع أي كتاب صحيح في الأخلاق والإحسان، ستجد أنه هو مرجع علماء ديوبند في الإحسان وتزكية الأخلاق. إنهم إنما يتخذون أولئك الأشخاص الذي أجمعت الأمة على جلالة قدرهم ومكانتهم العلمية والعملية – بدءًا بالأنبياء الكرام عليهم السلام، ومرورًا بالصحابة والتابعين، وانتهاء بأولياء الأمة وصلحائها – نماذج جديرة بالاتباع والتقليد.
وجملة القول: إنه ليس هناك ناحية من نواحي الدين ينحرف فيها علماء ديوبند قيد شعرة عن التفسير المُتوَارَث للإسلام وعن مزاجه وذوقه الأصيلين. ولذلك كله لا نرى حاجة ما إلى كتاب مفرَد لشرح مذهبهم . فلو شاء أحد أن يطلع على مذهبهم فعليه بمراجعة الموثوق به لدى جمهور علماء الأمة، من تفاسير القرآن وشروح الحديث وكتب الفقه الحنفي والعقائد والكلام والإحسان والأخلاق، التي تتحدث عنه – عن مذهبهم – في تفصيل.ولكنه استجدّ هناك أمران في العصر الأخير تَسبّبَا في شعورنا بالحاجة إلى إبانة مذهب علماء ديوبند و مزاجهم الديني وذوقهم الإسلامي، في كتاب مستقل .
الأمر الأول: أن الإسلام دين الاعتدال ، وحينما وصف القرآن الكريم هذه الأمة بـ mأمة وسطl أعلن أن من مزاياها الأساسية هو التوسط والاعتدال. وبما أن علماء ديوبند يتبنون هذا الدين الوسط، فإن مذهبهم ومزاجهم وذوقهم الديني معجون بهذا الاعتدال، وطريقهم يمر بين الإفراط والتفريط بشكل لا يتورط ذيلهم في أي من الطرفين المتقاصيين . ومن خصائص الاعتدال أن الإفراط والتفريط كليهما يشكوانه ويتأذيان به؛ فالإفراط يتهمه بالتفريط ، والتفريط يعيبه بالإفراط .
ومن ثم فإن التوجهات المتطرفة قامت ضد علماء ديوبند بدعايات متضاربة ، فمثلا: من اعتدال علماء ديوبند أنهم بجانب إيمانهم الكامل بالكتاب والسنة يثقون بالسلف الصالحين و يتبعونهم. وتُشَكِّل لديهم بياناتُ السلف وتعبيراتهم وتعاملاتهم أهمية أساسية في شرح وتفسير الكتاب والسنة ، كما أنهم يرون حبهم والإعجاب بهم عنصرًا لمذهبهم؛ ولكنهم – إلى جانب ذلك – لا يَدَعُوْنَ هذا الحب والإعجاب يصل إلى العبادة وتقديس الشخصية، وإنما يضعون في اعتبارهم دائمًا مبدأ إنزال كل حقيقة في منزلها الصحيح .
فالسادة الذين يزعمون الإيمان والعمل بالكتاب والسنة ، ولكنهم لا يرضون بإعارة السلف الصالحين أية مكانة أساسيّة في شرحهما وتعبيرهما، وإنما يثقون بأن عقلهم وفكرهم كافيان في فهمهما وتعبيرهما، يتهمون علماء ديوبند بتقديس الشخصية والاعتقاد الزائد في أشخاص السلف، ويقومون بالدعاية ضدهم بأنهم اتخذوا سلفهم آلهة ، ونعوذ بالله من ذلك!
وفي جانب آخر فإن السادة الذين ارتفعو بحب السلف والإعجاب بهم إلى عبادة الأشخاص في الواقع، يتهمون علماء ديوبند بأنهم لا يحملون أي حب وإعجاب في قلوبهم نحو السلف أو إنهم يسيئون الأدب – معاذ الله – مع هؤلاء العلماء الأجلة ذوي المكانة المحترمة في الإسلام .
ومن أجل هاتين الدعايتين المتضاربتين ضد علماء ديوبند ، يعود الإنسان الذي لا يعلم حقيقة الحال في نصابها الصحيح، متورطاً في الشكوك في شأنهم. ولهذا كله كان هناك شعور في أوساط ديوبند بضرورة بيان مذهب علماء ديوبند المعتدل في شكل موضوعي إيجابي شامل يجعل رجلاً محايدًا يفهم المذهب على حقيقته .
والأمر الثاني: أن مذهب علماء ديوبند عنوان للمنهاج العملي والفكري الذي تلقاه مؤسسو (الجامعة الإسلامية) دار العلوم – ديوبند وكبار مشيختها المعتبرين من مشايخهم بالسند المتصل الذي يرتفع مارًّا بالتابعين والصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك منهاجاً للفكر والاعتقاد جديراً بالاستناد، ونظامًا مثاليًا للأعمال والأخلاق، ومزاجًا و ذوقًا دينيًا معتدلاً لا يتلقاه المرأ بمجرد قراءة الكتب أو الحصول على الشهادة ، وإنما يتلقاه من صحبة الأشخاص المصوغين في قالب ذلك المزاج والذوق ، كما تلقاه العلماء من التابعين ، والتابعون من الصحابة ، والصحابة من سيدنا و نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
وفي جانب آخر : إن (الجامعة الإسلامية) دار العلوم ديوبند التي يُنْسَبُ إليها هذا المذهب في الأغلب، مركز تعليمي يعمل جاهدًا منذ أكثر من قرن وربع قرن على تدريس العلوم الإسلامية . وقد خرَّج خلال هذه الفترة الطويلة من العلماء من قد يبلغ عددهم مئات الآلاف إلى جانب آلاف من المدارس المنتشرة في شبه القارة الهندية التي تنتسب إلى دار العلوم ديوبند باعتبارها منبعًا لها، وخريجوها هم الآخرون يُسَمَّوْن في المصطلح العام mعلماء ديوبندl .
ومن الواضح أن الخريجين من هذه المدارس والجامعات كلها البالغين عددَ مئات الآلاف، لا يصحّ أن يقال في كل فرد منهم: إنه ناطق صحيح بـ mمذهب علماء ديوبندl وذلك أن أية مدرسة مستقلة متقيدة بنوع خاص من المناهج الدراسية والنظم التعليمية واللوائح الإدارية إنما يتناول طلابَها بالخدمة التعليمية والتربوية والرعاية الأخلاقية لحد تسمح له به قواعدها ولوائحها ؛ ولكنها لا تقدر في حال على أن تتابع الأفكارَ التي تُوْلد وتشب في قلب وذهن كل طالب من طلابها في الخلوة، والخطوطَ التي يرسمها لنفسه ليسير عليها في المستقبل، ولاسيما فيما بعد انقطاع صلته الرسمية عنها؛ حيث لا تعود هناك أية إمكانية لمثل هذه المتابعة والتعهد .
فتخرّج من هذه المدارس عدد من السادة يعملون في شتى مجالات الحياة، ينتسبون تعليمياً – بلا شك – إلى دار العلوم ديوبند ؛ ولكنه لم يُتَحْ لهم أن يتلقوا بشكل صحيح مذهبَ كبار علماء ديوبند ومزاجهم الديني وذوقهم الإسلامي المُتَوَارَث الذي لا يمكن أن يُتَلَقّى من مجرد الكتب. وبهذه الحيثية فلم يكونوا هؤلاء ناطقين بمذهب علماء ديوبند؛ ولكن الناس ظنوهم ناطقين به لكونهم متخرجين من (الجامعة الإسلامية) دارالعلوم، ديوبند أو من مدرسة أو جامعة نابعة منها، فعَزَوْا كل فكرة من أفكارهم إلى علماء ديوبند.
وقد كان من بين هؤلاء من لم يَرُدّوا فقط على بعض عقائد وأفكار علماء ديوبند ولم يفندوها فقط، وإنما اعتبروها ضلالاً صريحًا ؛ ورغم ذلك ظلوا يُعَرِّفُوْنَ أنفسهم بأنهم ناطقون بلسان حال علماء ديوبند . كما وُجِدَ هناك أناس نسبوا أفكارهم الشخصية إلى علماء ديوبند ، كما أخذ أناس جزءًا واحدًا من الهيكل المتكامل المعتدل لمذهب علماء ديوبند، وعرضوه على أن ذلك هو mالديوبنديةl ونبذوا عناصر أخرى للهيكل وراءهم ظهريًا (لغرض أو مرض).
فمثلاً : وَجَدَ بعض الناس أن مشايخ علماء ديوبند أدَّوا مسئوليتهم كاملة نحو مقاومة ومكافحة كل نظرية باطلة كلما مست الحاجة إلى ذلك؛ فاعتبروا هذه المكافحة وحدها مذهب علماء ديوبند ، وأعطوا بموقفهم العملي انطباعًا بأن مذهب علماء ديوبند عبارة عن حركة سلبية لا تُعيرُ في أهدافها أية قيمة للنواحي الإيجابية للدين . ثم إن شتى الاتجاهات توزعت شتى مجالات العمل في خصوص مكافحة النظريات الباطلة، وربما كانت هذه المجالات صحيحة في إطار توزيع الأعمال والمسؤوليات ؛ ولكن بعضهم قد غلا في ذلك وأعطى انطباعًا بأن مذهب علماء ديوبند ينحصر في مجاله العملي. كما أن بعض الناس تبنى مبدأ الرد على الأفكار الباطلة ؛ ولكنهم لم يتبنوا كليًا تلك المبادئ التي تَقَيّدَ بها علماء ديوبند في سبيل الرد والمكافحة . وكذلك أسلوب العمل الذي اختاره بعض الناس يشف عن أن مذهب علماء ديوبند هو جزء من ذلك التحزب المستشري في العالم، القاضي بأن رجال الحزب أخطاؤه جديرة بالعفو والدفاع، والرجال المنتمين إلى غيره، جميعُ حسناته جديرة بالإضاعة هدرًا.
والحقيقة أن مذهب علماء ديوبند بريء من هذه اللاّاعتدالات كلها، وقد صدرت من أولئك الأشخاص الذين مهما انتموا في تلقي العلم الرسمي إلى دار العلوم/ ديوبند أو إلى أحد من المعاهد التعليمية المنتسبة إليها ؛ فإنهم لم يكونوا في المذهب والمزاج والذوق ناطقين بلسان حال مشايخ علماء ديوبند؛ حيث لم يتلقوه بالطريقة المُتَوارَثة التي هي الطريقة الصحيحة لتلقيه .
ورغم أن متابعة تاريخ دار العلوم ديوبند منذ قيامها لحد اليوم تؤكد أن أمثال هذه اللااعتدالات ليست بكثيرة؛ ولكنها عادت تتزايد بمضي كبار العلماء والمشايخ ، وعاد الجاهلون بحقيقة الأمر يعزونها إلى مذهب علماء ديوبند .
ولهذا السبب هو الآخر برز هناك شعور بشرح مذهب علماء ديوبند ومزاجهم وذوقهم ، وتدوين ذلك بشكل جامع لا يدع مجالاً للالتباس .
ولم يكن هناك شخص أقدر كفاءة و أجدر بهذا العمل النبيل من حكيم الإسلام محمد طيب رحمه الله (رئيس الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند سابقًا) حيث لم يشغل فقط منصب رئاسة الجامعة – الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند – لأكثر من نصف قرن، وإنما استفاد مباشرة من مشايخ علماء ديوبند الذين كانوا – دونما خلاف – ناطقين حقيقيين بمذهب علماء ديوبند؛ فلم يكتف بتلقي العلم من شيخ الهند العلاّمة محمود حسن [المتوفى 1339هـ / 1920م] وحكيم الأمة العلامة أشرف علي التهانوي [المتوفى 1362هـ / 1943م] وإمام العصر العلامة السيد أنور شاه الكشميري [المتوفى 1352هـ / 1933م] والمفتي الأكبر الشيخ عزيز الرحمن [المتوفى 1347هـ / 1928م] بشكل رسمي، وإنما لازمهم طويلاً و تشرّب مزاجهم وذوقهم. ومهما اختلف معه أحد في القضايا السياسية والإدارية، فإنه لا يشك أبدًا في أنه كان ناطقًا ثقةً بمذهب علماء ديوبند.
فكلما شعرنا مدفوعين بالتبيين المذكورين بالحاجة الماسة إلى شرح و تفصيل مذهب علماء ديوبند، إنما وقعت أعيننا على فضيلته. وقد سبق أنه رحمه الله وضع عدة رسائل و كتابات في الموضوع، كان أطول رسالة من بينها تلك التي صدرت باسم mمذهب علماء ديوبندl .
ولكن هذه الكتابات كلها جاءت – كما صرح بذلك الشيخ محمد طيب رحمه الله بنفسه في مقدمة هذا الكتاب الذي نقدمه إلى القراء – ضمن الحديث عن موضوع آخر، ولم يرمِ منها رأسًا إلى الحديث الضافي المشبع عن موضوع مذهب علماء ديوبند. ومن الطبيعي أن الحديث العفوي الفرعي عن موضع ما لا يأتي مفصلاً مقنعًا كالحديث المقصود رأسًا.
فشعوراً منه رحمه الله بهذه الحاجة الملحة وضع في أواخر أيام حياته هذا الكتاب المفصل الذي نضعه بين أيدي القراء الكرام.
والمؤسف أن الكتاب لم يصدر في حياته، وظل في شكل المسودة فيما بعد وفاته، لأنه مُنِيَ في أواخر عمره بمعاناة مريرة لم تدعه يفكر في إخراج المسودة إلى النور.
واطلع ورثته على هذه المسودة القيمة فيما بين مسوداته الأخرى، فسمحوا بطبعها و توزيعها لنجل أخي العزيز mمحمود أشرف العثمانيl – أستاذ الحديث بالجامعة الأشرفية بمدينة لاهور – وعلى ذلك فتصدر هذه الثروة العلمية والفكرية لأول مرة عن مؤسسته mإدارة إسلامياتl.
وقد أمكن لي أن أتحدث عن خلفية الكتاب. وأما مضامين الكتاب، فإن حديثين عنها لا يعني إلا مقابلة الشمس بالسراج، وإليكم هذا المسك الفواح الذي لا يحتاج إلى تعريف عطار.
وموجز القول: إن الأريج الزكي الفائح من أفكار و أعمال علماء ديوبند النابعة من مذهبهم و طريقتهم ومزاجهم و ذوقهم ، قد تَطَعَّمَ به قلب الشيخ و ذهنه، ثم تمثل في الألفاظ والكتابات في هذا الكتاب، وفصَّل رحمه الله المنهج الفكري والعملي لعلماء ديوبند في وضوح أي وضوح لا يبقى معه التباس أو اشتباه لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَن} بَيِّنَةٍ وَّ يَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍj (الأنفال/ 42)
ولا نود أن نحول بين الكتاب وبين القراء الكرام بمزيد من الحديث، سوى أنني أود أن أؤكد أنه ينبغي أن لا يُحْرَمَ قراءةَ الكتاب أيُّ مسلم مثقف ولا سيما أي طالب أو أستاذ في مدرسة إسلامية دينية ، بل ينبغي أن يكون تدريس الكتاب أو قراءته الحرة جزءًا من المقررات الدراسية للمدارس الدينية.

الأحد، 23 ديسمبر، 2012

جماعة التبليغ إصلاح وإنصاف لا هدم ولا إعتساف الشيخ يوسف بن عيسى الملاحي



إصلاح وإنصاف لا هدم ولا إعتساف
تأليف

سماحة الشيخ يوسف بن عيسى الملاحي
حفظه الله تعالى

الناشر
المكتبة المحمدية
86-1 كشمير رود * غلام محمد آباد
فيصل آباد * باكستان
اللهم
صل على محمد وعلى آل محمد
كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم
انك حميد مجيد
اللهم
بارك على محمد وعلى آل محمد
كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم
انك حميد مجيد
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي جعل كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم :sa: ميزانا يبين لنا صحيح القول والعمل وفساده , واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له في ذاته ولا في اسمائه وصفاته , ولا في ربوبيته وتصرفاته , ولا شريك له في الوهيته وعباداته وصلى الله وسلم على خير خلقه , المبعوث رحمة للعالمين , وحجة للمؤمنين وحجة على الكافرين , وعلى آله واصحابه الذين كانت اعمالهم واقوالهم تطبيقا لكتاب ربهم وسنة نبيهم :sa: ورضي الله عنهم وارضاهم اجمعين .
أما بعد :-
فقد كثر الخوض والقيل والقال والوقوع في جماعة التبليغ , وهؤلاء الخائضون والواقعون فيهم كثير ، منهم يريدون الخير والنصح للأمة ، ولكنهم لم يسلكوا طريق الإصلاح والإنصاف في حقهم ، فقد وصفوهم بالبعد والإنحراف عن منهج الرسول :sa: ومنهج أصحابه الكرام رضي الله عنهم ، وألصقوا التهم السيئة بكل أفراد الجماعة ، وأنكروا جميع ما لهم من الحسنات والإحسان ،وبعضهم بالغ حتى نظمهم في سلك الفرق الخارجة عن دائرة الإسلام ، وهم بهذا الأسلوب الشائن كأنهم يريدون أن يهدموا من حيث يظنون أنهم يبنون ، ويسيئوا من حيث يظنون أنهم يحسنون .
فما أشبههم بمن رأى بيتاً عالي الذرا ، متين البناء ، في أحسن ترتيب وبهاء جميل المرافق كامل المنافع ، إلا أن به قليلاً من العيوب والخلل والنقص ، في حاجة شيء من الترميم ، ولكن بدل أن يقوم عليه بالإصلاح ويجتهد في إزالة ما به من عيب ونقص وخلل ، ظل يحاول أن يقوضه من أساسه ويطالب سكانه بالخروج منه وهجرانه ، وهو مع ذلك لا يريد أن يقيم على إنقاضه بيتاً أمثل منه ، ولا يفكر أن يبني بجواره بناءً أحسن منه سالماً من النقص والعيوب .
فلذلك كتبت هذه الرسالة مبيناً بعض حسنات منهج الجماعة في الدعوة ولم أبرئهم من وجود السيئات والأخطاء في كثير من أفراد تلك الجماعة .
وإنني أهيب بإخواني المسمين جميعاً أن يقوموا معهم ويصلحوا أنفسهم وغيرهم ، وهل هؤلاء الذين يصفونهم بالعيوب مبرؤون منها إذ أن من المعلوم أن من قام بالعمل واشتغل بالدعوة لا بد أن تنكشف له عيوب كانت بالأمس خافية ، وأما من قعد في بيته وأغلق عليه بابه فلا يرى الناس له عيباً
على أن الأخطاء المنسوبة للجماعة ليست ظاهرة كما أنها ليست موجودة بكل الجماعة ، وعلى فرض ظهورها يجب العمل والتعاون على إزالتها ، فالمؤمن مرآة أخيه ، والنصيحة للمسلمين مفروضة ، وسميت هذه الرسالة ( إصلاح وإنصاف ، لا هدم وإعتساف ) .
هذا ! وأسأله تعالى بمنه وكرمه أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم ، وأن يصلح أحوال المسلمين ويجمع قلوبهم على الحق والهدى والدعوة إلى سبيله وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
وبعد فقد اطلعت على مجموعة من مقالات وسمت بأنها (حقائق عن جماعة التبليغ ) وقبل البدء بمناقشة بعض ما تضمنته هذه الأوراق ، وبيان ما فيها من أخطاء ، أو أن أنبه القارئ الكريم إلى حقيقة كبرى قد يغفل عنها الكثير من الناس ، ألا! وهي التثبت والتبين في الأخبار ، وهي من قواعد الشرع الأساسية ، فقد جاء الأمر في الكتاب والسنة بتحري الصواب في الأنباء كقوله تعالى :
:st: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين :end: وقوله تعالى :
:st: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا:end: وكقوله صلى الله عليه وسلم :-
(( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع )) في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
وذلك أن من الناس من يسارع إلى قبول الأخبار التي يسمعها أو يقرأها من غير أن يكلف نفسه عناء التأكد عن صحتها ، وينسى أن يعمل بهذه القاعدة الأساسية التي أمر الله بها ، وإغفال العمل بها هو الذي حمل كثيراً من الناس على أن يتركوا الحق وأن يقبلوا الباطل حتى بنوا حياتهم عل خلاف الواقع حتى آل الأمر إلى حلول الكوارث والمصائب والعداوة بين بني آدم ، حيث أصبح شياطين الإنس والجن يلعبون بعقول الكثير من الناس ما دام أن هؤلاء السذج من الناس قد أصبحوا على استعداد تام لقبول كلما يذاع أو ينشر فيسلمون لما يسمعون أو يقرؤون ، ويعملون بمقتضاه فكانوا يحسنون الظن بالمصلحين ، فكم سفكت بسبب ذلك الدماء وعبدت الأوثان ، فاعتقد كثير من الناس في أهل القبور أنهم يملكون النفع والضر من دون الله تعالى ، فراجت بينهم البدع والخرافات ، وصرفوا لغير الله أعظم العبادات من الذل والحب والتعظيم والخوف والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله الواحد القهار ، وقد تدبرت ذلك ، فحملني على كتابة هذه الكلمات القصيرة خشية أن يصاب من يطلع على هذه الأوراق بسوء الظن في الدعاة ، واستجابة لأخ لي في الله ومحب فيه طلب مني أن أكتب تنيهاً على ما جاء في هذه الرسالة من أخطاء .
وما كان بودي أن أشغل نفسي بذلك لولا إصراره وحرصه لأحقاق الحق وإبطال الباطل فجزاه الله عني وعن الإسلام خيراً .
لقد اشتملت هذه المقالات على أخطاء كثيرة وإن كنا نحسن الظن بمن كتبها وإنه قد يريد الخير بذلك عملاً بالأثر الذي جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :-
( لا تحمل أخاك على الشر ما دمت تجد له في الخير محملة ) .
أو كما قال رضي الله عن :
لكن قد يريد المرء الحق فيخطأ ولذا قال الصحابي الجليل عبد اله بن مسعود رضي الله عنه :-
(( كم من مريد للخير لم يصبه )) .
ولا أريد أن أرد على كل صغيرة وكبيرة ورد ذكرها في هذه الرسائل خوفاً من التطويل ، بل حسبي أن أرد عليها إجمالاً وانبه على بعض الأخطاء المهمة ، وإن كان ذلك كله لا يخفي على المتأمل المتثبت ، فمن تلك الأخطاء جاء فيها ما يدل على :-
1- الحكم بالأخطاء على الجماعة كلها من غير تخصيص وهو بلا شك حكم غير صائب ، فإن كل منصف عرف الجماعة معرفة تامة يعلم بيقين سلامة الكثير منهم مما اتهموا به من البدع والخرافات ، بل كل من مشى معهم وهو متجرد من الهوى لا يكاد أن يثبت أمراً واحداً يخالف الشرع ( بإجماع الأمة ) .
أما كون بعضهم وفدوا من بلاد عرفت بالبدع والشرك ، والجهل والطرق الصوفية ، فيظن أن عند هؤلاء الوافدين أو بعضهم بيعة لبعض شيوخ الطرق والضلال .
فهذا القول في الحقيقة مبني على الظن إلا أن الظن لا يغني من الحق شيئاً .
وليس عن يقين أن كل فرد لديه بيعة .
2- الخطأ الثاني أن هذه المقالات لم تنصف الجماعة ولم تذكر شيئاً من حسناتهم كأنهم مجردون من كل خير فلم يسلك كتابهم مسلك المنصفين الذين كتبوا عنهم وبينوا ما لهم وما عليهم ، بل ذهب بعضهم " عفا الله عنا وعنهم " إلى أن صرح بكفرهم بغير استثناء .
فانظر ما جاء في صفحة (4) .
" ولقد أعلن كفرهم في المساجد وحلق الذكر بالحرم المكي كل مَجْمَع فضيلة الشيخ عبد الله بن سعدي العبدلي الغامدي ، وذلك من قبل خمس سنوات إلى حال التاريخ ، وذكر ذلك لمن اجتمع به من الإخوان في المدينة المنورة وغيرها " .
وبعض هؤلاء الإخوة من تبرع بالكتابة عنهم وصفهم بأنهم زنادقة راجع ص (17) .
وهذا الأسلوب يخالف حكمة الدعوة في الإسلام ، كما يخالف ما عليه أئمة الدعوة وخاصة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، فإنه كان شديد التثبت في الحكم على المدعو عليه ، إذا كان يستعمل الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل .
فانظر ما جاء في الجزء الأول من الدرر السنية ص ( 67.66.15 )
( وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عما يقاتل عليه وعما يكفر الرجل به ) ؟
فأجاب :-
" أركان الإسلام خمسة ، أولها الشهادتان ، ثم الأركان الأربعة ، إذا أقر بها وتركها تهاوناً فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها ، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود ولا يكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم :
وهو الشهادتان وأيضاً نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر .
فنقول :- أعداءنا معنا على أنواع :
النوع الأول :
من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر الذي هو دين غالب الناس أنه الشرك في الله ، الذي بعث الله رسوله :sa: ينهي عنه ، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله ، مع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه ولا ترك الشرك فهو كافر نقاتله بكفره لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه وعرف الشرك فلم يتركه مع أنه لا يبغض دين الرسول ولا من دخل فيه ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس .
النوع الثاني :
من عرف ذلك ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به وتبين في مدح من عبد ( القبور ) وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك فهذا أعظم من الأول وفيه قوله تعالى ::st:فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين :end: .
وهو مما قال الله فيه .
:st: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون :end:
النوع الثالث :
من عرف التوحيد وأحبه وأتبعه وعرف الشرك وتركه ولكن يكره من دخل في التوحيد ويحب من بقى على الشرك فهذا أيضاً كافر فيه قوله تعالى :
:st: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم :end:
النوع الرابع :
من علم من هذا كله ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد ، واتباع أهل الشرك وساعين في قتالهم ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بما له ونفسه ، فهذا أيضاً كافر ، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل ، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل ، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وما له مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك فهذا أيضاً كافر ، وهو ممن قال الله فيهم :
:st: ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم - إلى قوله - سلطاناً مبينا :end: فهذا الذي نقول .
وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم ، " أنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل ومثل هذا وأضعاف أضعافه ، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله .
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي عل قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل :end: سبحانك هذا بهتان عظيم :end: بل نكفر تلك الأنواع الأربعة لأجل محادتهم لله ورسوله فرحم الله امرءً نظر نفسه وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم . انتهى .
ولو استقصينا كل ما ذكر الإمام رحمه الله فيما يدخل في هذا الباب لطال الكلام ، فعلى من أراد الإطلاع الرجوع إلى ما كتب هو وغيره من أئمة الدعوة رحمهم الله في هذا المجال فهل ينطبق على الجماعة شيء مما سبق نقله عن الإمام رحمه الله .
وأما ما ذكر في المقالة الأولى ص (3) عن شيخ جامعة ديوبند وعن الشيخ حسين أحمد رئيس التدريس في دار العلوم ديوبند من عداوة وسبّ لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابيهما فيض الباري ، والشهاب الثاقب فهذا صح فلا شك أنه خطأ فاحش بل محض كذب وبهتان ، نبرأ إلى الله منه ولا يكاد يصدر مثل هذا الكلام من عالم ، ولا شك أنه مبني على جهل تام بحقيقة دعوة الإمام رحمه الله .
وقد سمعت من بعض العلماء الموثوقين أن جامعة ديوبند لما تبين لها صحة ما دعي إليه الإمام رحمه الله اعتذروا عن هذا الكلام السيئ وأصدروا كتاباً يبين موافقتهم لدعوة الإمام رحمه الله ومع ذلك نقول :-
إنه ليس كل من دَرَسَ أو دَرّسَ في جامعة ديوبند يعد من جماعة التبليغ ، وأذكر أنني كنت قد زرت هذه الجامعة عام 1382هـ ورأيت بحمد الله كثيراً من طلابها ينكرون هذه البدع والخرافات القبورية .
وعلى هذا فهل من العدل والإنصاف أن يحمل جماعة التبليغ أوزار كل من تكلم في حق شيخ الإسلام رحمه الله بسوء بقول الله تعالى ::st: ولا تزر وازرة وزر أخرى :end:
ويقول تعالى : :st:كل نفس بما كسبت رهينة :end:
أما ما شوهد من بعض الأفراد أنه يقوم بأذكار مبتدعة كالجشتية أو غيرها من الطرق الفاسدة ، فأنا بحمد الله لم أر هذا في بلادنا طيلة المدة الماضية ، ولو رأيته لأنكرته غير أني رأيت واحداً فقط في الهند أو إثنين قام بهذا الذكر المبتدع فأنكرت عليه ذلك ورفعت أمره إلى المسؤول في الجماعة ، فقال لي إن هذا وأمثاله جديد في الدعوة وسوف يترك هذه البدعة عن شاء الله تعالى إذا تدرب على عمل الدعوة ، فإن من أصول الجماعة المعروفة ترك أي مسألة فيها خلاف ، حتى لا يحصل تفرق في الجماعة ولا شك أن إخفاء المعصية أو البدعة فيه نصر للإسلام واعتراف بأنه مخالف للشرع ، حتى لقد يتساءل صاحب البدعة في نفسه لو كان هذا حقاً لأظهرناه .
على أنه من السهل القيام بواجب الإنكار بالحكمة عملاً بقول الرسول :sa: (( من رأى منكم منكراً فليغيره )) .
أما كونهم هنوداً أو عجماً كما ذكر ذلك بعضهم على سبيل الذم فهذا لا يضرهم ولا يقدح في عقيدتهم إذا كان عندهم الإيمان الصحيح والعمل الصالح مع التوحيد وإخلاص النية واتباع الرسول :sa: والبراءة من الشرك وأهله:st: إن أكرمكم عند الله أتقاكم :end: .
( ولا يخفى أن كثيراً من العجم كانوا أئمة قاموا بخدمة الدين كالإمام البخاري رحمه الله وغيره ) .
وأما المدرسة الصولتية التي جاء ذكرها في إحدى الرسائل فلم يقم بتأسيسها جماعة التبليغ وإنما الذي أنشأها (1) امرأة تدعى صولة النساء ذات ثروة ولهذا نسبت المدرسة إلى اسمها ، ولعل بعض الإخوة المعترضين اطلع في منهجها أو مكتبتها على كتب تتضمن شيئاً من البدع والخرافات على أن تأسيسها سابق لظهور الجماعة وهذا يدل على أن هذا الأخ المعترض لا يكاد يميز بين جماعة التبليغ وعامة مسلمي الهند والباكستان لأنه يراهم كلهم أعاجم .
وأما الأشخاص السعوديون الذين مشوا معهم في فترة من الزمن وناصروهم من العلماء وطلبة العلم فهم إنما قصدوا بذلك نصرة الحق ونشر التوحيد ومحاربة الشرك والبدع والمعاصي ، إذ من المعلوم لدى الجميع أن الجماعة يسيرون في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .
وأنهم يتجنبون كل ما من شأنه أن ينفر الناس عن الإسلام وإذا أخروا الإنكار فليس معنى ذلك أنهم يسكتون عن المنكر ولكنهم يتحينون الفرص المناسبة لذلك .
وفي حسن أسلوبهم من جذب الناس عن المعاصي والبدع إلى الإسلام والتوحيد بل إلى المشاركة في الدعوة ما هو معلوم عند الكثير من الموافقين والمخالفين حتى إنك لترى كثيراً من الواقعيين في المعاصي الذين كانوا يشغلون الحكومات بالجرائم والإخلال بالأمن عندما يرافقونهم ويعيشون معهم في البيئة الصالحة ينقلبون رأساً على عقب فيصبحون دعاة إلى كتاب الله وسنة رسوله :sa: ويضحون بأموالهم وأوقاتهم في سبيل الدعوة إلى الله تعالى حسب استطاعتهم .
وبناءً على ما ذكر فلماذا يساء الظن بمن مشى معهم أو ناصرهم ويتهم بأنه يريد أن ينصر البدع والضلال ، ولماذا لا نحسن الظن بالعلماء وطلبة العلم بأنهم إنما يريدون من السير معهم إصلاح أنفسهم وأمتهم ونصرة الحق ، وهل يسوغ لنا شرعاً أو عقلاً أن نقع إعراض الدعاة من أجل أن بعضهم جاء من بلاد فيها بدع وخرافات ، ولماذا لا نجري على الظاهر كما جاء في الأثر الصحيح عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : -
" إن أناساً كانوا يأخذون بالوحي في عهد رسول :sa: وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء ، الله يحاسبه في سريرته ، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة " رواه البخاري .
وكما جاء في الحديث الصحيح في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه في قتله للرجل بعد أن قال لا إله إلا الله وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة وكما صح من قول عمر رضي الله عنه :-
" لا تحمل أخاك على الشر ما دمت تجد له في الخير محملاً " أو كما قال :
إن أغلب إنكار من ينكر على هؤلاء الدعاة مبني على الظن وقد قال تعالى ::st: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم :end: ... الآية .
وفي الآية الأخرى :st: إن الظن لا يغني من الحق شيئاً :end:
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول :sa: (( اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا )) .. الحديث .
أما ما ذكر بعضهم من النذر لقبورهم او جمع النذور والزيارة الشركية او البدعية لهم , فنحن لم نعلم ذلك وان ثبت شيء من هذا فاننا نبرأ الى الله منه , وعلى من رأى شيئا من هذا ان يبادر بالانكار , ولا يجوز له السكوت .
والقبور المشار اليها هي اربعة في مبنى مركز , الدعوة خلف المسجد والداخل للمركز الغريب لا يكاد يشعر بوجود قبور فيه اذ لم يبني عليها ولم يظهر لنا شيء من المنكرات حولها أن كنا نرجو الله سبحانه وتعالى ان يلهم مشايخ الدعوة فصلها عن المركز وإن كما الهمهم عدم البناء عليها وتغطيتها كما هو الحال في اكثر بلاد المسلمين .
أما قول أحداهم في آخر ص (4 ) ،
( كاتبت يوسف الملاحي وكتب لي أن أكتم موضوع الهنود )
فأنا لاأذكر هذا ولقد كان يجب عليه أن يذكر كل كلامي الذي كتبت له إن صح ما يقول ولا يحل له ان يذكر بعضه ويترك البعض الاخر فيكون بمنزلة من يقرأ ( ويل للمصلين ) ويسكت عن باقي الاية .
وخطاء التي وردت في هذه المقالات أن كتابها إذا رأوا خطأ صدر من واحد يحكمون به على الجميع أفراد الجماعة وهذا خلاف ما دلت عليه قواعد الشريعة من أنه لا يجوز أن نحكم على الكل بما يصدر من الجزء
:st: كل نفس بما كسبت رهينة ::end: و:st: ولا تزر وازرة وزر أخرى :end:
فإذا وقع من بعض مشايخهم أو افرادهم فلا يجوز أن نعمم الحكم على الجميع .
وليعلم كل واحد أننا لا نبرىء منهج الجماعة أو أفرادها من العيوب بل يرد عليهم من الخلل والنقص ما يرد على غيرهم من البشر كما أننا لا نستطيع أن نبرئهم كلهم من البدع والخرافات التي لم تظهر لنا ، بل نقول يحتمل أن عند بعضهم شيئاً من ذلك يفعله سراً لا نقطع بنفي .
ولا إثبات ، ولا يجوز أن ننسب جميع العيوب كل الجماعة ألا ببرهان
وكل ما جاء ذكره بهذه الرسائل من العقائد الفاسدة والبدع إذا صح
وجودها في بعض الجماعة فنحن نبرأ إلى الله منها وننكرها ونرجو الله
تعالى أن يساعد المصلحين على تغيرها ولكن مع ذلك أقول لهولاء
الاخوة المعترضين عليهم أليسوا ( أعني جماعة التبليغ ) من المسلمين ؟
إلا يجب نصحهم عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( الدين النصيحة )) الحديث .
وعلى فرض أن كل ما قيل عنهم من الخرافات والانحراف صحيح .
فهل يجوز تركهم يتخبطون في ضلالهم ، ألا يجب على العلماء وطلبة العلم أن يقوموا بإرشادهم وتوجيهم إلى العمل بالكتاب والسنة وترك البدع .
إذ أقام بعض العلماء أو طلبة العلم لتعليمهم العقيدة الصحيحة وأرشادهم فهل يجوز أن نسيء الظن بهؤلاء الناصحين ، ونقول إنهم انحرفوا معهم وصاروا مثلهم في الضلال والبدع ؟ أم يظن هؤلاء الاخوة المعترضون أن الدعوة منحصرة في السب والشتم وقذفهم بما يتهمونهم به
من الكفر والزندقة ظنا منهم أن هذا يكفي وتبرأ به الذمة .
وقد مر بنا كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه لا
يجوز تكفيرهم إلا بعد قيام الحجة عليهم وإصرارهم على الباطل . ونحن لا ننكر وجود البدع والخرافات والوثنية في الهند والباكستان وغيرهما من بلدان المسلمين , حاشا البلاد التي تأثرت بدعوة الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فقد طهرها الله تعالى من ذلك , ولكن لا يجوز ان نحكم بهذا على جميع أفراد المسلمين فهو موجود في الجملة .
أصناف المسلمين في الهند وباكستان
ولهذا أرى انه من المفيد , حيث تطرقنا الى هذا الموضوع أن أبين اصناف المسلمين اهل السنة في الهند والباكستان فهم ينقسمون الى خمسة اقسام :-
1- اهل الحديث :
وهم غير متمذهبين بمذهب من المذاهب المعروفة وهم بحمد الله بعيدون عن البدع والخرافات بل يأخذون من الكتاب والحديث .
2- الديوبنديون :
نسبة الى جامعة ديوبند في الهند , والبدع عن هؤلاء قليلة جدا , لكن تبين لي ان بعض مشايخهم قد يعطي البيعة على بعض الطرق الصوفية وكثير من المسلمين هناك لا يعرفون شيئا عن هذه الطرق .
3- الندويون :
وهم يشبهون الديوبنديين الى حد كبير .
4- البريلوية :
وهؤلاء غلاة وعقائدهم في رسول:sa: وفي الاولياء فاسدة جدا وعندهم الشرك الاكبر المخرج من الملة بل شركهم تجاوز الاشراك في الالوهية الى الشرك في الريوبية لاعتقادهم ان الرسول:sa: ومن دونه من الاولياء يعلمون الغيب , وان لهم قدرة غيبية وتصرفات كونية , وانهم يملكون الضر والنفع من دون الله الى غير ذلك من انواع الشرك والبدع . وقد ذكر بعض العلماء وهو احسان الهي ظهير في كتابه البيرلوية عقائد وتاريخ في ص (194) ان هؤلاء البريلوية قد ادمجوا كلا من الديوبنديين والندويين واهل الحديث والوهابية تحت اسم واحد هو الوهابية ويحرمون عليهم دخول مساجدهم .
والدعاة من جماعة التبليغ يصفون البريلوية بأنهم أهل بدعة وشرك . وقد سألت بعض الدعاة في مدينة فيصل آباد هل اعمال الدعوة تقام في كل المساجد ؟ فأفادوا بأنها تقام الا في مساجد البريلوية وقال انهم ينكرون علينا الكلام على توحيد الالوهية .
5- جماعة الذكريين :
هؤلاء قليلون بالنسبة الى من قبلهم لكنهم اسوء منهم ويزيدون سوءا لانهم لا يقيمون الصلوات في مساجدهم يعتقدون أن أذكارهم البدعة تكفيهم عن صلاة مستدلين بفهم خاطئ في قوله تعالى : ( وأقم الصلاة لذكري ) إلا أن كثيرا منهم عادوا إلى إقامة الصلاة في المساجد بسبب اجتهاد جماعة التبليغ عليهم والباقون إنشاء الله في طريقهم إلى العودة للإسلام وكل هذه الأقسام على مذهب أبي حنيفة رحمه الله ما عدا أهل الحديث .
وأما جماعة التبليغ فهم مؤلفون من جميع فرق المسلمين أهل السنة على اختلاف مذاهبهم وبلادهم والوانهم ولغاتهم من عرب وعجم غير ان مؤسسي الدعوة من الديوبنديين .
ولا يخفي كثرة الدعايات المضللة ضد الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله واتباعه , حتى اصبح كثير من الناس يكفرونهم عمدا أو جهلا وتقليدا او يتهمونهم بأنهم يبغضون الرسول:sa: ويبغضون الاولياء والصالحين .
فإذا جماعة من هذه البلاد التي عرفت بان كثيرا من اهلها يكفروننا تبعا للامام , ولا يطيقوا ان يسمعون منا كلام التوحيد تعصبا وجهلا فجائنا منهم جماعة وفتحوا لنا صدورهم , وقالوا لنا انتم من خيرة المسلمين أهل التوحيد , وانتم من ابناء الصحابة فقوموا معنا لنشر الاسلام والتوحيد في ربوع العالم , واعترفوا مع ذلك على انفسهم بالقصور في العلم وانهم مستعدون لقبول النصيحة فما هو الواجب علينا نحوهم وبماذا نقابل هذا الكلام ؟
انقول لهم انتم كفار مشركون اذهبوا لا نمشي معكم ولا نناصركم لان بلادكم فيها شرك ووثنية وبدع وهم مع ذلك يقولون تعالوا معنا إلى بلادنا وعلمونا ما يخفي علينا وخذوا منا ما يوافق الشرع .
نعم!
عندهم مناهج وأصول ظاهرة من الكتاب والسنة يسيرون عليها وهذه الاصول مشتملة على التوحيد والعبادات الصحيحة والدعوة إلى الله تعالى وغير ذلك من ضروريات الدين ونبذ المسائل التي فيها سب العلماء وولاة أمور المسلمين ، لأجل أن تجتمع الكلمة ولئلا يقع نفرة وتفرق في الجماعة وليس معنى ذلك السكوت عن المنكر ولكنهم يرون أن الرفق في الدعوة إلى الله وإزالة المنكر هو الذي يحقق القبول بإذن الله عملاً .
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم :-
(( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ومالا يعطي على ما سِواه )) رواه مسلم .
وغيره من الأحاديث بهذا المعنى كثيرة .
ومن أساليبهم التربوية في الدعوة إلى الله يطالبون المدعوين بالخروج معهم من الزمن تتفق مع ظروفهم حتى يتهيأ للمستجدين في الدعوة أن يعيشوا معهم في بيئة صالحة لكي يحصل لهم التأثر بالدين ويتمكنوا في هذه الفترة من القيام بالأعمال الصالحة حتى يسهل التخلي عن العادات السيئة التي اعتدوها فهم يعتبرون هذا الخروج وسيلة وتفرغاً لاصلاح أنفسهم وإصلاح غيرهم وليس الخروج غاية لذاته ولهذا تجد الكثير من الخارجين معهم تتغير حياتهم وبالتالي ينقلبون دعاة إلى الله تعالى بعد أن كانوا بعيدون عن الدين .
والذي يظهر من كلام هؤلاء الأخوة المعارضين لدعوتهم أنهم يتصورون أن المنهج الصحيح في الدعوة هو القائم على العنف والخشونة وعدم الرفق والشفقة في شأن المدعوين وأن أخذهم بالرفق واللين يعد مخالفاً للحكمة ومداهنة ويريدون من جمع الدعاة أن يطبقوا هذا الأسلوب في الدعوة أسلوب الشدة ، وإلا فهم متهمون بالمداهنة والتهاون في تغير المنكر ، ظناً منهم أن العنف في الدعوة هو الصواب وما عداه خطأ .
ويا ليتهم عذروا إخوانهم الدعاة الذين اختاروا منهجاً في الدعوة يقوم على الرفق واللين والعطف على المسلمين لقوله تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما أرسلهما إلى فرعون :
:st: فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى :end: ولقوله تعالى :
:st: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن :end: :st: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك :end:
ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم :-
(( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )) رواه مسلم
والظاهر لمن يتأمل أحوال جماعة التبليغ أنهم ما يريدون بدعوتهم الخير والنصح لنفسهم وللمسلمين عامة ، وأنهم لا يريدون ببذل جهدهم إلا الإصلاح وليسوا معصومين من الخطأ ، لكنهم يعتقدون جازمين أنهم على الحق طالما انهم يدعون الناس الى التمسك بالكتاب والسنة , والرجوع الى ما عليه سلف الامة كيف لا !
وهم يعلنون دائما قائلين :- ( ان فلاحنا ونجاحنا في الدنيا والاخرة بامتثال اوامر الله تعالى على طريق رسول الله )
ولا بد ان نضع في حسابنا ان مشاربهم تختلف عن مشاربنا فلم يقيض لهم ما من الله به علينا من دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله ولا الارتواء من منهل علماء عاملين مثل شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى .
ولكن الذي يغلب الظن .
( والغيب لله حده ) ان من كان يبذل ماله ووقته وفكره في خدمة الاسلام و يقوم بهذه التضحية العظيمة ولا يطلب من الناس جزاء ولا شكورا اقتداء بالانبياء عليهم السلام اذ يقولون كما حكى الله عنهم في كتابه :( وما اسألكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين ) .
فالذي يغلب على الظن ان من كان هذا شأنه انه يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الاخرة كما هو ظاهر حالهم , وان من كان كذلك فانه , اذا وفقه الله تعالى يقبل الحق اذا تبين له انه على خطأ في بعض ما يتصوره صوابا وهذا ما لمسناه ,
ثم يقال لهؤلاء الاخوة المعارضين :-
(( هبوا اننا نحن وانتم جميعا على الحق وهم على الباطل , فلماذا نخاف على عقيدتنا من مخالطتهم وهم لا يخافون منا اليس الحق يزهق الباطل يقول تعالى :
:st: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق [ ... الاية .
ويقول تعالى ايضا :
:st: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون :end: فهل كان معهم سلطة وقوة يقسرون بها الناس على اتباعهم كما هو الحال في أعداء الرسل والمؤمنين , حينما عجزوا عن دفع الحق الذي جاؤا به بالحجة والبرهان , عمدوا الى القتل والتشريد كما قص الله سبحانه علينا في كتابه العزيز من اخبار الامم المكذبة لرسلهم وكما حصل لكثير من المصلحين من الاذى والاستهزاء والاتهامات الكاذبة .
فاذا كنا على الحق بيقين نستند الى الكتاب والسنة وهم على الباطل أهل بدع وخرافات وشركيات ولا سند لهم صحيح من كتاب ولا سنة على معتقداتهم الفاسدة , على تقدير وفرض صحة كل ما ينسب اليهم من الضلال لكان المفروض ان يخافوهم منا لا نحن منهم .
انني اعرف انا وغيري ان كثيرين كانوا منحرفين عن سبيل الهدى وبعيدين عن محيط العلم والاصلاح بل بعضهم فد تورط في بؤرة الإلحاد ( والعياذ بالله ) فلما تأثروا بدعوة هؤلاء الجماعات وعاشوا معهم مدة من الزمن تغير نظام حياتهم , فشاهدنا الكثير منهم إلتحقوا بالمعاهد الدينية والجامعات الاسلامية وتتلمذوا على العلماء ودرسوا كتب الدعوة التي نشرها اتباع شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .
نعم !
قد تأثر كثير من الخارجين معهم فيرجع مستفيدا متأثرا بحياة الرسول :sa: وبحياة الصحابة رضوان الله عليهم وقد يرجع القليل من الناس بلا فائدة , لانه ما كان ينظر في الحقيقة اذا مشى معهم الا الى اسوأ ما يظنه بهم ويرفض قبول الصالح من عملهم .
على انني طيلة مدة خروجي مع الجماعة لم اتكلم بحمد الله بكلام يخالف مدلول (لا اله الا الله ) ولا اعلم احدا ايضا من طلاب العلم الذين خرجوا معهم من البلاد السعودية تكلم بكلام يخالف عقيدة الشيخ الامام ( رحمه الله ) وهو ما يوافق الكتاب والسنة , بل كلامنا كله بحمد الله يدور على كلمة التوحيد فيما يتعلق باخلاص العبادة لله وحده , وانه ليس معناها توحيد الربوبية فحسب , فانه من المعلوم بيقين ان مشركي العرب .
(( فأعلم ان الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى :
:st: قل أعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس :end: وكما يقال :
( رب العالمين واله المرسلين )
وعند الافراد يجتمعان كما في قول القائل :- من ربك ؟ مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله تعالى :
:st: انما الصدقات للفقراء والمساكين :end: ونوع واحد في قوله صلى الله عليه وسلم :
(افترض عليهم صدقة تؤخذ من اغنيائهم فترد الى فقرائهم )اذ ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر (( من ربك )) معناه :
من الهك لانه الربوبية التي اقربها المشركون ما يمتحن احد بها .
وكذلك قوله تعالى :
:st: الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله :end: وقوله تعالى:
:st: قل أغير الله ابغي ربا :end: وقوله تعالى :
:st: ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا:end: فالربوبية في هذا هي الالوهية ليست قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة )) .
(( يؤتي الحكمة من يشاء ))
ان من عاشر هؤلاء الدعاة وسبر احوالهم وتعرف على منهج دعوتهم شريطة ان يكون متجردا من الاهواء ومن المؤثرات الخارجية وقصد بذلك طلب الحق , يرى العجب العجاب , يرى كيف يقوى ايمانه وكيف يستجيب الناس لهم بسرعة , فلا يخالجه ادنى شك ان الله تعالى اتاهم الحكمة في الدعوة الى الله تعالى .
ومن الاسباب المهمة الجالبة للحكمة التخلي عن جميع المشاغل والتوجه بالخروج بكليته طلبا لمرضاة الله تعالى والدار الاخرة وتفرغا لاصلاح النفس وعامة الناس مدة من الزمن تكثر او تقل حسب الاستطاعة , مع بذل الوسع من الدعاء والتضرع الى الله تعالى بطلب الهداية له ولغيره .
ولا يعني ذلك ان الخارج في سبيل الدعوة الى الله تعالى يضيع اهله ويهمل اولاده , أو يخالف والديه أو يترك وظيفته أو اسباب معيشته , والمسافر لاعمال تجارته او للمعالجة الا ان من يجهل حقيقة هذه الدعوة ( وما اكثرهم ) حتى بعض المتدينين الحريصين على هداية الناس قد يستغرب ذلك وقد يعتبره بدعة في الدين , او اهمالا وتضييعا للمسؤولية .
والواقد انه ليس تضييعا ولا بدعة وانما هو من المصالح اللازمة لاصلاح نفسه واصلاح المسلمين ولكن العيب الوحيد في هذا الخروج هو انه ثقيل جدا على النفس لانه يعرض نفسه لتحمل المشقات وهجر الراحة والملذات ومفارقة الاهل والمألوفات ويكلف تضحية بالمال والفكر والجهد والأوقات .
والغاية من ذلك ان يجاهد الخارج نفسه وشيطانه ودنياه حتى يكون امر الدين والاخرة اهم عنده من كل حظوظه النفسية ويكون مرضاة الله مقدمة على النفس فما دون . وقد خرج النبي :sa: الى الطائف لدعوة اهلها واصابه من المشقة ما اصابه وهكذا ارسل القراء السبعين الى بعض قبائل العرب لتعليمهم وتثقيفهم في الدين , فغدروا بهم وقتلوهم والاصل في هذا قوله تعالى :
:st: فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون :end:
(( هو جهاد ))
وقد قال شمس الدين الامام ابن القيم رحمه الله ما معناه :-
ان الجهاد يشمل امورا كثيرة ولكن اهمها واعظمها أربعة :
جهاد النفس والهوى والشيطان والدنيا :-
فاذا انتصر المسلم عليها انتصر على عدوه الخارجي , واذا انتصرت هي انتصر عليه عدوه الخارجي .
بقى ان نعترف بحقيقة واقعة وهي ان المجتمع في بلادنا وان اسلمت عقيدته (بجمد الله ) من الانحراف الذي وقع فيه اهل الكلام وتحرر من التعلق بالاموات واصحاب القبور من الانبياء والاولياء الصالحين وكذلك التحرر من البدع والخرافات والطرق الصوفية وذلك بسبب ما من الله به علينا من دعوة الاصلاح التي قام بها شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب وناصرها الامام محمد بن سعود واتباعهما رحمهما الله .
بأننا مع الاسف اصبح الكثير منا مؤثرا الدنيا على الدين متخذا الهه هواه على علم ليس عنده مبالاة اعداء لله تعالى حتى ضعف اوثق عرى الايمان في نفسه ( وهو الحب في الله والبغض في الله ) واهمل الكثير منا امر الدعوة الى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الصحيح .
كما وهي في نفوس الكثير منا اساسا العبادة وهما كمال الحب لله وكمال الذل لله تعالى.
وهذا الواقع المر الموجود لدينا هو لا شك موجود مثله او اكثر منه في بقية الاقطار الاسلامية على ما عندهم من الشرك والبدع والخرافات الظاهرة .
(( وتعاونوا على البر والتقوى ))
لا شك ان النقص والعيب من لوازم البشر وكل انسان له حسناته وسيئاته فاذا حصل التعاون بين هؤلاء الدعاة من هذه البلاد ومن غيرها نتج من ذلك باذن الله خير كثير ونفع عميم اذ كل واحد من الدعاة عنده عيوب ومزايا صالحة واذا التقينا في ميادين الخير والدعوة الى الله تعالى وتم التناصح والتعاون زالت العيوب او قلت واختفت .
ولا يخفي ان كثير من المنحرفين يرى نفسه على حق وغيره على باطل فاذا خالط اهل الحق تبين له الخطأ .
واحب ان اختم هذه الكلمات المختصرة ببيان موجز عن المنهج الذي يسير عليه هؤلاء الجماعة فمدار الدعوة على ست حقائق :-
1- الايمان وتحقيق الشهادتين .
2- الخشوع في الصلاة .
3- العلم والاذكار المسنونة .
4- اكرام المسلمين .
5- تصحيح النية .
6- الدعوة الى الله تعالى .
وليس المراد حفظ هذه الكلمات باللسان فقط وانما المراد ان تكون هذه الكلمات صفات راسخة في القلب واللسان والجوارح وان من الوسائل لتحصيلها التفرغ والخروج في سبيل الدعوة الى الله مدة طويلة أو قصيرة , حتى تتحقق هذه الصفات ويظهر اثرها في الحياة الخاصة والعامة فاذا وجدت في الشخص حقيقة هذه الصفات فلا بد ان توجد سائر الصفات التي كان عليها رسول الله :sa: واصحابه رضي الله عنهم .
على ان بعض هذه الصفات تشمل أمورا كثيرة فمثلا (( كلمة لا اله الا الله محمد رسول الله )) وصفة العلم والعمل مع الاذكار المسنونة لا يكاد يخرج عنها شيء من بقية شرائع الاسلام كالصلاة والزكاة والحج واركان الايمان والاحسان وكافة الطاعات وترك جميع المعاصي ولكن من اسباب اختيار هذه الصفات ان الحاجة ماسة اليها في كل وقت كما لا يخفي على المتأمل .
والحقيقة انه لا يستطيع ان يتعرف احد على المزايا التي يسير عليها الجماعة الا بمصاحبتهم مدة طويلة من الزمن بقصد الاستفادة والافادة مع التجرد من الهوى ليتم الاطلاع على جميع الاحوال الظاهرة والباطنة , ويرى كيف ان الخارجين يقضون اليوم والليلة في اربعة اشياء في الدعوة الى الله ( وهي منظمة على اقسام ) وفي التعليم والتعلم بانواعه وفي العبادات بانواعها وفي الخدمة فليس في استطاعة أي احد ان يتعرف على حقيقة اعمال الجماعة والمناهج التي يطبقونها من تنظيم العمل بالشورى والاصول والاداب المستمدة من الكتاب والسنة , التي تجري في الخروج الا بمعاشرتهم ومصاحبتهم وقتا كافيا حتى يكون على بصيرة من امرهم وعلى ضوء ذلك يتمكن من الوصول الى اصدار الحكم لهم وعليهم .
أما من حاول ان يحكم عليهم بحسب ما يسمع من الناس الذين يمدحون او يقدحون فسيكون حكمه ناقصا , لماذا ؟ لانه حكم على غير بينة تامة ولا تصور صحيح .
على ان اعمال الجماعة كلها ظاهرة مكشوفة ومعلنة امام انظار جميع الناس كما قيل:-
فسرى كإعلاني وتلك خليقتي وظلمة ليلى مثل ضوء نهاري
وهم دائما وابدا يطالبون المسلمين جميعا على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم وثقافتهم ان يشاركوهم في هذا العمل ( عمل الدعوة الى الله تعالى وما يتعلق بها ) وان يصححوا اخطاءهم ( والحق ضالة المؤمن ان وجده فهو احق به ) .
هذا !
واسال الله تعالى ان يلهمنا رشدنا ويقينا شرور انفسنا وان يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وان يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه والا يجعله ملتبسا علينا فنضل وان ينصر دينه ويعلي كلمته وان يجعلنا جميعا من انصار دينه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين واتباعه الى يوم الدين امين .